السيد كمال الحيدري
280
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الإنسان أنّ شيئاً ما هو خير بالنسبة إليه وهو في الواقع شرّ ، وقد يتصوّر أنّ شيئاً ما شرّ بالنسبة إليه بينما يكون في الواقع خيراً . يمكن الإجابة على هذا السؤال بنحو عام من خلال القول إنّ بعض مصاديق الخير والشرّ واضحة عند الإنسان وهى من الجلاء بحيث لا يشكّ فيها ، إمّا عقلًا وإمّا فطرة ، كما هو الحال في أصل الحياة والوجود ، والعلم والصحّة والسلامة والأمان ونحوها . لكن توجد في المقابل أمور من الخير والشرّ لا يستطيع الإنسان تشخيصها ولا سبيل له إلى ذلك ؛ من هذا حاجته إلى الدين وإلى الارتباط بالله وإلى الشريعة ليستطيع من خلال ذلك أن يميِّز ما هو خير عمّا هو شرّ في هذه المنطقة المجهولة . على هذا ، ما يستطيع العقل والفطرة الإنسانيّتين تمييزه على أنّه خير ، فهو مطلوب ، وما يشخصان أنّه شرّ فهو مرفوض . أمّا في دائرة ما لا يستطيع الإنسان تمييزه عبر العقل والفطرة ومعايير العقلاء ، فلابدّ من الرجوع فيه إلى الدين والشريعة لتشخِّص كلمة الله ما هو خير له في هذا النطاق وما هو شرّ . وهذه إحدى دواعي حاجة الإنسانية إلى الدين والشريعة وإلى الارتباط بالله سبحانه . لكن هذا النمط من الفهم لا يزال يواجه استفهاماً آخر ، فإذا كان الخير في نطاق هذه الرؤية ومقياسها ، هو كلّ ما يرتبط بوجود الإنسان وبأصل بقائه ودوام وجوده وحياته وكمالات هذا الوجود ، وكلّما كان عكس ذلك فالإنسان يعدّه شرّاً ، أفلا يجوز السؤال حينئذ بأنّ الإنسان بات هو المحور في الخير والشرّ ؟ في الحقيقة ليس الأمر كذلك ، كما ليس بمقدور هذه الرؤية أن تسقط وجود الخير في نفسه والشرّ في نفسه ، ومن ثمّ لا سبيل لها لإلغاء الحقيقة الذاتية المستقلّة لقيمتى الخير والشرّ . فهناك أمور هي خير في نفسها وفى نطاق تكوينها الذاتي مثل العدل والصدق والأمانة وإعانة الآخرين ، كما هناك أمور هي شرّ في نفسها وفى نطاق تكوينها الذاتي كالظلم والكذب والخيانة والغدر بالآخرين . وبذلك تثبت وجود حقيقة ذاتية للخير والشرّ في نفسيهما .